Skip Navigation Links
    السبت , 17 آب 2019 م
Skip Navigation Links
اوراق ساخنة
الثلاثاء , 23 تموز , 2019 :: 3:05 م
المُستقبليّات

احكيلك - كتب: صلحي الشحاتيت

منْ أبرز سمات العَالم المعاصر أنه عالم يعجّ بالتغيّرات المتلاحقة فى شتى ميادين العلم، التكنولوجيا، الاقتصاد، الاجتماع، السياسة، والثقافة.
كما أنه يشهد نمواً ملحوظًا فى درجة الترابط والاعتماد المتبادل بين الدول. 
لذا فإن الأمم القوية هى تلك التي تعي ما يحيط بها من تغيّراتٍ، وتدرك ما يزخرُ به العالم منْ تناقضاتٍ وصراعاتٍ، وبالتالى فهي التى تسعى لصنع مستقبلها، أو على الأقل تسعى للمشاركة بفعالية فى صنعه.
ومما لاشك فيه أنّ الأمة التى لا تمتلك خريطة واضحة المعالم والتضاريس لهذا العالم سريع التغيّر، بالغ التعقيد؛ هي أمة تعرّضُ مستقبلها لأخطار عظيمة. لأن مستقبل هذه الأمة في مثل هذه الظروف لنْ يخرج عن أحد احتمالين؛ وهما 
الأول: أن يأتي هذا المستقبل محصّلة لعدة عوامل عشوائية متضاربة من صنع المصادفة، لا من صنع العقل والتدبير للمصلحة الوطنية. 
والثانى: أنْ تتحكم في تشكيل هذا المستقبل قوى خارجية لا يهمها مستقبل هذه الأمة، إلا أنه يخدم مصالحها فقط، سواء أكانت متوافقة مع مصالح الناس فى هذه الأمة أم لم تكنْ. 
وفي كلتا الحالتين يصبح مستقبل الأمة معلقًا بعوامل لا دخل لإرادة المواطنين في تشكيلها أو التأثير فيها وهذا بالقطع وضع بائس.
المستقبليات futuribles هو اصطلاح وليد من اجتهاد المؤرخ الالماني اوسيب ك فليتشتايم، استخدمه عنوانا لكتابه (التاريخ وعلم المستقبل) الصادر عام 1949 فاتحًا بذلك المجال أمام الدراسات التي حاولت بناء استراتيجيات شاملة بعيدة المدى في مختلف المجالات، ومنه ظهرت الدراسات المستقبلية التي أصبحت ضرورة حتمية لمختلف الدول والمجتمعات، والغاية منها توفير إطار زمني طويل المدى لما قد نتخذه من قرارات اليوم. ومن ثم العمل وفق نظرة طويلة المدى وبأفق زمني طويل نسبيًّا.
هذا أمر تمليه سرعة التغيّر وتزايد التعقد في كل ما يحيط بنا، فضلًا عن اعتبارات متصلة بالتنمية والخروج من دائرة التبعية. وبشكل أكثر تحديدًا فالدراسات المستقبلية تساعدنا على صنع مستقبل أفضل، وذلك بفضل ما تؤمنه من منافع متعددة؛ من أهمها اكتشاف المشكلات قبل وقوعها، ومن ثم التهيؤ لمواجهتها أو حتى لقطع الطريق عليها والحيلولة دون وقوعها، وإعادة اكتشاف أنفسنا ومواردنا وطاقاتنا وبخاصة ما هو كامن منها والذي يمكن أن يتحول بفضل العلم إلى موارد وطاقات فعلية، وبلورة الاختيارات الممكنة والمتاحة وترشيد عملية المفاضلة بينها.
لاشك أنّ الوطن العربي والأردن تحديدًا يحتاج إلى الدراسات المستقبلية، على الأقل بالنظر إلى أنه يواجه تحديات هائلة أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية في ظل المتغيرات العالمية والإقليمية الراهنة، خاصة وأنً ما هو موجود من دراسات مستقبلية عن الوطن العربي أُنجزت من قِبَلِ دوائر غربية محدودة العدد، يوجد العديد من الأولويات التي ينبغي أن تهتم بها الدراسات المستقبلية خاصةً في الأردن، ويجب أنْ تدور حول أهم المحاور الحياتية المهمة: مستقبل الثورة العلمية المعاصرة وموقع الأردن منها، ومستقبل النظام الاقتصادي؛ خاصةً في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الراهنة، وبعض الدراسات حول قضايا جديدة كالبيئة – التغيرات المناخية ... الخ، ودراسات أخرى حول أثر المتغيرات العالمية على الثقافة والتربية في الوطن العربي؛ إذ لم تقتصر المتغيرات العالمية في تأثيراتها على النواحي الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية وإنما امتدت من خلال جهود منظمات دولية وضغوط دول بعينها لمحاولة غرس منظومات ثقافية وتربوية معينة، وهي مسألة بالغة الأهمية في الأردن وفي وطننا العربي ككل، حيث تمثل قضية الهوية الأردنية بالنسبة له حجر زاوية، ولا شك أن الأهم هنا هو مستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي، الذي سيؤثر دون شك على قضايا كثيرة هامة في الأردن و الوطن العربي ككل.
إنّ ما تتيحه الدراسات المستقبليّة من إضفاء طابع مستقبلي طويل المدى على تفكيرنا، ما هو إلّا علامة مهمة من علامات النضج العقلي والرشادة فى اتخاذ القرارات. ذلك أنّ ما نتخذه من قرارات اليوم، وما نقوم به من تصرفات فى الحاضر سوف يؤثر بصورة أو بأخرى على مستقبلنا ومستقبل أبنائنا من بعدنا، وإذا أردنا لهذا المستقبل أنْ يكون مقبولًا، فعلينا أنْ نتخذ قراراتنا اليوم آخذين فى الاعتبار النتائج والتداعيات المحتملة لهذه القرارات على مدى زمنى طويل، وليس فقط على المدى القصير أو المتوسط. وبذلك نكون قد شاركنا بشكل إيجابي فى صنع المستقبل، فالدراسات المستقبلية تساعدنا على التحكم فى المستقبل، وجعله أفضل بدرجة ما، مما لو كنا قد مكثنا فى انتظار وقوع المستقبل وأهملنا التفكير في مساراته البديلة المحتملة الوقوع.
* رئيس جامعة العقبة للتكنولوجيا

 


إرسال إلى صديق
المُستقبليّات'
* إسم المرسل :  
* بريدك الإلكتروني :     
* إيميل المستقبل :     
أرسـل إلغاء
التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.
تعليقات القراء
لايوجد تعليقات
أضف تعليقا
الحقول المسبوقة بعلامة (*) هي حقول إجبارية.
* الإسم :  
البريد الإلكتروني :  
* نص التعليق :  
أرسل
2012 © جميع الحقوق محفوظة - احكيلك
الموقع مرخص بموجب احكام قانون المطبوعات والنشر يمنع الاقتباس او اعادة النشر دون ذكر المصدر (احكيلك)
مؤسسة احكيلك لادارة الاعلام الالكتروني -  عمان - شارع الشريف جميل بن ناصر - امتداد شارع وادي صقره - مقابل صيدلية فارمسي 1 - مركز الخير التجاري - بناية رقم 36 - مكتب رقم 5
رقم موبايل: 0796680068  -  البريد الالكتروني: info@ahkelak.com